مكي بن حموش
5917
الهداية إلى بلوغ النهاية
ورواه الفراء وأبو إسحاق الزجاج بفتح بين « 1 » وهو خبر أيضا ، ومعانيها ظاهرة ، والمعنى على قراءة من جزم الفعل أنهم بطروا « 2 » وجهلوا قدر النعمة عليهم ، فسألوا أن يجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز « 3 » ليركبوا فيها الرواحل ويتزودوا لها ، فعجل لهم الإجابة كما عجل للقائلين : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية « 4 » فقتلهم يوم بدر ، فكذلك هؤلاء مزقوا بين الشام وسبأ . قال الشعبي : فلحقت الأنصار بيثرب وغسان بالشام ، والأزد بعمان وخزاعة بتهامة « 5 » ، وفرقوا أيادي سبا « 6 » وتقطعوا في البلدان بظلمهم لأنفسهم وكفرهم بنعمة اللّه . ثم قال : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أي : فيما تقدم من النعم على هؤلاء والانتقام منهم لما بطروا النعمة وكفروا ، لدلالات وعظات لكل من صبر على طاعة اللّه ومحبته وشكر على نعمته .
--> ( 1 ) انظر : معاني الفراء 2 / 359 ، ومعاني الزجاج 4 / 250 ، وإعراب النحاس 3 / 342 ، والجامع للقرطبي 14 / 291 . ( 2 ) بطروا : من البطر وهو الطغيان في النعمة ، وقيل : هو كراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة . انظر : اللسان مادة " بطر " 4 / 68 - 69 . ( 3 ) المفاوز جمع مفازة ، وهي البرية القفر . انظر : اللسان مادة " فوز " 5 / 393 . ( 4 ) الأنفال : آية 32 . ( 5 ) انظر : جامع البيان 22 / 86 ، والجامع للقرطبي 14 / 291 ، والدر المنثور 6 / 694 . ( 6 ) يقال " تفرّقوا أيدي سبا وأيادي سبا " وهذا مثل يضرب بهم في الفرقة لأنه لما أذهب اللّه عنهم جنتهم وغرق مكانهم تبددوا في البلاد ، ومزقوا في الأرض كل ممزق ، وأخذت كل طائفة منهم طريقا على حدة . ومن ثم فهذا المثل يضرب للجماعات التي تفرقت في جهات مختلفة . والعرب لا تهمز سبا في هذا المثل لأنه كثر في كلامهم فاستثقلوا فيه الهمزة ، وإن كان في أصله مهموزا . انظر : اللسان مادة " سبأ " 1 / 94 .